محتويات المقال

في غزة، لا تزال الحياة اليومية تحمل وجهًا قاسيًا للحرب: عائلات نزحت مرات متكررة، بيوت تحولت إلى أنقاض، مستشفيات تعمل في ظروف شديدة الصعوبة، وأطفال يكبرون وسط الخوف والفقد والحاجة.

ورغم الحديث المتكرر عن وقف إطلاق النار وخطط السلام وإعادة الإعمار، فإن الواقع الإنساني لم يصل إلى مرحلة التعافي. فما زال غالب أهل غزة يعيشون بين آثار الدمار، وشح الغذاء والماء، وضعف الخدمات الصحية، وعدم اليقين بشأن المستقبل.

أكثر من 73 ألف شهيد.. والرقم ليس نهاية الحكاية

بحسب أحدث رقم تراكمي دقيق تمكنا من التحقق منه من مصادر صحفية موثوقة، أعلنت وزارة الصحة في غزة في 14 يونيو 2026 أن عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ بداية الحرب تجاوز 73 ألفًا، ووصل إلى 73,001 شهيد، مع أكثر من 173,200 جريح.

لكن هذا الرقم ليس رقم اليوم؛ فقد استمرت الوفيات بعد ذلك. وفي 20 يوليو، أفادت رويترز بأن أكثر من 1,150 فلسطينيًا كانوا قد قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، مع استمرار الضربات داخل القطاع.

ولذلك ينبغي عند نشر الأرقام أن يُذكر تاريخها بوضوح، خصوصًا أن الوصول إلى حصيلة يومية دقيقة أصبح أكثر صعوبة بسبب الدمار، وتشتت السكان، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.

كما تشير تقارير حديثة إلى أن آلاف الضحايا ما زالوا تحت الأنقاض أو لم تُستكمل عمليات انتشالهم وتوثيقهم، ما يجعل الحصيلة الرسمية قابلة للتغير.

غزة اليوم.. أغلب السكان بعيدون عن بيوتهم

لا تكمن مأساة غزة في عدد الشهداء والجرحى فقط.

فبحسب اليونيسف، كان نحو 1.9 مليون شخص من أصل 2.1 مليون من سكان القطاع قد تعرضوا للنزوح حتى منتصف 2026، بينما ظلت الخدمات الأساسية مثل الصحة والمياه والصرف الصحي والحماية شديدة الاضطراب.

وهذا يعني أن الأسرة الغزية التي فقدت منزلها لا تواجه مشكلة السكن وحدها؛ بل تواجه معها نقص المياه، وارتفاع الحاجة إلى الغذاء، وصعوبة الوصول إلى العلاج، وانعدام الخصوصية والأمان، والخوف المستمر على الأطفال.

قطاع غزة يُرى من طائرة عسكرية إسبانية قبل إسقاط المساعدات الإنسانية جوّا

غزة بدت من السماء مدينة مدمرة بالكامل حيث لا أثر للأحياء السكنية ولا للبنية التحتية

تُظهر لقطات رصدتها طائرة بدون طيار في شمال غزة حجم الدمار

الجوع.. معركة أخرى خلف الركام

تُظهر بيانات برنامج الأغذية العالمي أن 1.4 مليون شخص في غزة، أي نحو ثلثي السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.

ورغم أن وصول المساعدات أدى إلى تحسن محدود في الأمن الغذائي، فإن البرنامج يحذر من أن هذا التحسن هش، وأن تراجع المساعدات يمكن أن يعيد الأزمة بسرعة إلى مستويات أكثر خطورة. ويحتاج البرنامج إلى نحو 426 مليون دولار لعملياته في غزة والضفة الغربية بين يوليو وديسمبر 2026.

وتزداد صعوبة الحياة لأن معظم السكان فقدوا مصادر دخلهم، بينما تشير بيانات البرنامج إلى أن نحو 80% من السكان عاطلون عن العمل، الأمر الذي يجعل الأسر أكثر اعتمادًا على المساعدات.

الجوع ينهش اهل غزة

الجوع ينهش اهل غزة

الماء.. حاجة لا تحتمل التأجيل

من أشد مظاهر الأزمة ندرة المياه الآمنة.

وتشير اليونيسف إلى أن 82% من الأسر في غزة تعاني من انعدام الأمن المائي، وأن ما يصل إلى 70% من الأسر لا تستطيع الوصول إلى ستة لترات من المياه للفرد يوميًا، وهي كمية أقل بكثير من الحد الأدنى المستخدم في حالات الطوارئ.

كما تعرض نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي للضرر أو التدمير، ما يزيد مخاطر الأمراض والتلوث ويجعل حياة الأطفال خصوصًا أكثر هشاشة.

المستشفيات.. جبهة أخرى من الألم

أصبح الوصول إلى العلاج تحديًا بحد ذاته.

ففي تقرير لوزارة الصحة الفلسطينية في أبريل 2026، قالت الوزارة إن قدرة المستشفيات على استيعاب المرضى انخفضت بأكثر من 55%، وإن عشرات المستشفيات والمراكز الصحية أصبحت خارج الخدمة، بينما ينتظر آلاف المرضى والجرحى الإحالات للعلاج خارج القطاع. ([وزارة الصحة الفلسطينية])

وبعيدًا عن الأرقام، هناك مرضى يحتاجون إلى عمليات، وأطفال يحتاجون إلى علاج وتأهيل، ومصابون بإعاقات دائمة يحتاجون إلى رعاية طويلة الأمد.

إن الحرب لا تنتهي بالنسبة إلى هؤلاء بمجرد توقف القصف؛ فآثار الإصابة والمرض والنزوح قد تستمر لسنوات.

أطفال غزة.. جيل يحمل آثار الحرب

ربما يكون الأطفال أكثر من يدفع الثمن على المدى الطويل.

وتشير اليونيسف إلى أن معظم أطفال غزة يعيشون في ظروف نزوح، مع تضرر خدمات المياه والصحة والتعليم والحماية.

كما وثقت وكالة أسوشيتد برس، في يوليو 2026، واقع الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، مشيرة إلى أن نحو 59 ألف طفل أصبحوا أيتامًا خلال الحرب، وفق بيانات نقلتها عن اليونيسف، بينهم نحو 2,700 فقدوا كلا الوالدين.

وهنا تظهر مأساة لا تختصرها كلمة “نزوح”: طفل يفقد منزله، ثم مدرسته، ثم أحد والديه، ثم يكبر وهو يحمل ذكريات الحرب بدل ذكريات الطفولة الطبيعية.

هل انتهت الحرب فعلًا؟

رغم وجود وقف إطلاق نار هش، فإن التطورات السياسية الأخيرة تؤكد أن الأزمة لم تصل إلى حل نهائي.

ففي 10 أغسطس، أفادت رويترز بأن خطة أمريكية من 15 نقطة تقوم على نزع سلاح حماس مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي وإنشاء إدارة فلسطينية تكنوقراطية مدعومة دوليًا، تواجه عقبة أساسية بعد رفض إسرائيل الصيغة الحالية وإصرارها على نزع السلاح الكامل قبل الانسحاب.

كما تتضمن الخطة المقترحة قوة استقرار دولية للمساعدة في الأمن وإيصال المساعدات وإعادة بناء المؤسسات، لكن آلية التنفيذ والتوقيت لا يزالان موضع خلاف.

وهكذا يبقى مستقبل غزة معلقًا بين مسارين: مسار سياسي يبحث عن ترتيبات جديدة، ومسار إنساني يحتاج إلى الغذاء والدواء والماء وإعادة بناء الحياة.

غزة لا تحتاج إلى الكلام وحده

أهل غزة اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الصور والخطب فقط؛ إنهم يحتاجون إلى عمل حقيقي يخفف عنهم الألم.

المساعدات الغذائية ليست رفاهية.

الدواء ليس ترفًا.

الماء النظيف ليس مطلبًا ثانويًا.

وإعادة بناء المستشفيات والمدارس والمنازل ليست قضية مؤجلة إلى ما بعد السياسة؛ بل هي جزء من إنقاذ الإنسان نفسه.

ولهذا فإن مسؤولية نجدة أهل غزة لا تقع على مؤسسة واحدة أو دولة واحدة، وإنما تحتاج إلى جهد دولي وإقليمي واسع ومستمر، يضمن وصول الغذاء والدواء والمياه والمأوى، ويحمي المدنيين ويهيئ الطريق لإعادة إعمار القطاع.

أهل غزة.. شعب كريم في وجه المحنة

ورغم كل ما فقده أهل غزة، فإن صور التماسك الاجتماعي والتكافل بينهم بقيت حاضرة.

العائلة التي تقتسم القليل مع جيرانها، والأم التي تحاول توفير الطعام لأطفالها، والطبيب الذي يواصل العمل رغم نقص المعدات، والمتطوع الذي يحمل الطعام إلى النازحين، كلها صور تقول إن الإنسان يستطيع أن يحافظ على كرامته حتى في أحلك الظروف.

وهنا تظهر قيمة أهل غزة الكرامة: ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، ولا مجرد صور للدمار؛ إنهم أسر، وأطفال، وأمهات، وآباء، وطلاب، وأطباء، وعمال، وأناس لهم أحلام وحياة وذكريات.

وفي ميزان الإيمان.. لا ننسى واجب النصرة

قال الله تعالى:

﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75].

والنصرة لا تختصر في موقف واحد؛ فمن استطاع أن يعين بالمال فليعن، ومن استطاع أن يساهم في الإغاثة فليساهم، ومن استطاع أن ينشر الحقيقة الموثقة فليفعل، ومن لم يستطع شيئًا فلا يستهين بالدعاء الصادق.

وقد قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، متفق عليه.

إن مأساة غزة تذكّر المسلمين بأن الأمة لا ينبغي أن تتحول مع كثرة الأخبار إلى أمة تتبلد أمام الألم.

فالخبر الذي نقرأه اليوم قد يكون خلفه طفل فقد أباه، أو أم تنتظر دواءً، أو عائلة تبحث عن مأوى، أو جريح ينتظر فرصة للعلاج.

ماذا تحتاج غزة الآن؟

الحاجة العاجلة لا تقتصر على الطعام.

بل تشمل:

  • الغذاء والمياه الصالحة للشرب.
  • الأدوية والمستلزمات الطبية.
  • دعم المستشفيات والكوادر الصحية.
  • المأوى للنازحين.
  • رعاية الأطفال والأيتام.
  • دعم برامج التغذية وسوء التغذية.
  • إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي.
  • إزالة الركام وإعادة فتح الطرق.
  • إعادة بناء المدارس والمرافق الأساسية.
  • تمويل برامج التعافي وإعادة الإعمار.

وتؤكد بيانات برنامج الأغذية العالمي أن استمرار المساعدات أمر حاسم لمنع تراجع التحسن الهش في الأمن الغذائي داخل القطاع.

غزة بين الركام والأمل

قد تكون غزة اليوم واحدة من أكثر بقاع العالم احتياجًا إلى الإغاثة، لكنها ليست أرضًا بلا أمل.

فوراء كل بيت مدمر أسرة تريد العودة، ووراء كل طفل جريح مستقبل يمكن إنقاذه، ووراء كل مدرسة مدمرة جيل ينتظر أن يتعلم من جديد.

ولهذا فإن نجدة غزة ليست مجرد استجابة لأزمة إنسانية عابرة؛ إنها حفاظ على حياة الإنسان وكرامته ومستقبله.

وإذا كان العالم قد اعتاد أرقام الشهداء حتى أصبحت الأرقام تمر أمام أعيننا دون أن نتوقف، فعلينا أن نتذكر أن كل رقم كان إنسانًا له اسم وأم وأب وأبناء وأحلام.

الله الله في أهل غزة.. اتقوا الله في إخوانكم

الله الله في أهل غزة.

اتقوا الله في إخوانكم الذين يجمعنا بهم دين واحد، وقبلة واحدة، وكتاب واحد، ونبي واحد ﷺ. إن أهل غزة ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، ولا قضية بعيدة عن المسلمين؛ إنهم إخوة لنا في الإسلام، وما يصيبهم من قتل وجوع وتشريد ومرض ينبغي أن يهز قلوب المؤمنين ويوقظ فيهم معنى الأخوة والرحمة.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].

وقال النبي ﷺ:

«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» متفق عليه.

فليتقِ الله كل مسلم فيما يستطيع أن يقدمه لإخوانه؛ بالصدقة والإغاثة، والدعاء، ونشر الحق، ومساندة المحتاجين، وعدم الاستهانة بمصيبتهم أو الاعتياد على مشاهد الألم حتى تقسو القلوب.

وليتذكر كل واحد منا أن هذه الحياة ليست نهاية الحساب؛ وسنسأل بين يدي الله عن أعمارنا وأعمالنا وما استطعنا فعله، وعن موقفنا من آلام إخواننا بقدر ما بلغنا من القدرة والمسؤولية. فلا يعلم أحد كيف يكون جوابه إذا سُئل: ماذا قدّمتَ لِمن استطعتَ أن تُعينه من إخوانك المسلمين؟

إن نصرة المظلوم وإغاثة المحتاج من أبواب الخير والدين، وكل إنسان يفعل ما يستطيع ضمن قدرته ووسعه، دون أن يحمل نفسه ما لا تطيق.

فالله الله في أهل غزة؛ لا تجعلوا طول المأساة سببًا لنسيانها، ولا كثرة الأخبار سببًا لموت الإحساس بها.

هم إخواننا في الدين، لهم حق الأخوة والرحمة والإغاثة، وغزة تحتاج إلى الغذاء والدواء والماء والمأوى وإعادة الإعمار، كما تحتاج إلى قلوب لم تنسها، وأيدٍ تمتد إليها بما تستطيع.

اللهم احفظ أهل غزة، وارحم شهداءهم، واشف جرحاهم، وأطعم جائعهم، وآمن خائفهم، واربط على قلوبهم، واجعل لهم من بعد عسرهم يسرًا وفرجًا.

المشهد العام

الوضع في غزة لا يزال شديد الصعوبة رغم الهدنة الهشة والمساعي السياسية. فقد تجاوز عدد الشهداء المعلن 73 ألفًا في أحدث حصيلة تراكمية دقيقة أمكن التحقق منها، بينما تشير البيانات الإنسانية إلى أن 1.4 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وأن نحو 1.9 مليون شخص تعرضوا للنزوح.

والرسالة الأهم اليوم ليست فقط معرفة عدد الشهداء، بل إدراك حجم الحياة التي تحتاج إلى الإنقاذ: طفل يحتاج إلى غذاء، ومريض يحتاج إلى دواء، وأسرة تحتاج إلى مأوى، ومدينة تحتاج إلى أن تُبنى من جديد.

فريق النخبة