محتويات المقال

يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها صدمات الطاقة مع تباطؤ بعض الاقتصادات الكبرى، وتغير توقعات أسعار الفائدة، وتصاعد التوترات التجارية. وبينما لا تزال المؤسسات الدولية تتوقع استمرار النمو العالمي، فإن مؤشرات الأسابيع الأخيرة تكشف أن الطريق أمام الاقتصاد العالمي أصبح أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع استمرار اضطرابات سوق النفط وتأثيرها في التضخم والنقل والصناعة.

الاقتصاد الأمريكي.. سوق العمل يغيّر حسابات الفيدرالي

أحد أبرز التطورات الاقتصادية الأخيرة جاء من الولايات المتحدة، حيث أظهرت بيانات يوليو تراجعًا مفاجئًا في الوظائف غير الزراعية بمقدار 23 ألف وظيفة، بعد تعديل بيانات يونيو إلى زيادة قدرها 20 ألفًا فقط. وفي المقابل، انخفض معدل البطالة إلى 4.1% من 4.2%، لكن الانخفاض ارتبط جزئيًا بتراجع معدل المشاركة في قوة العمل.

هذه الأرقام أعادت رسم توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأمريكية. فبعد أن كان المستثمرون يرجحون رفع الفائدة في سبتمبر، انخفضت الاحتمالات المسعّرة في الأسواق إلى نحو 40% عقب صدور بيانات الوظائف.

المشكلة أمام الاحتياطي الفيدرالي هي أن سوق العمل بدأ يظهر علامات ضعف، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى بكثير من المستوى المستهدف. وبذلك يجد البنك المركزي نفسه أمام معادلة صعبة: رفع الفائدة قد يزيد الضغط على الاقتصاد وسوق العمل، بينما الإبقاء عليها دون تشديد قد يطيل فترة التضخم.

التضخم الأمريكي لم يخرج من دائرة الخطر

تظهر بيانات توقعات المستهلكين في نيويورك أن الأمريكيين يتوقعون تضخمًا بنسبة 3.6% خلال العام المقبل، مقابل 3.7% في يونيو، بينما بقيت توقعات التضخم لثلاث سنوات عند 3.3% ولخمس سنوات عند 3%. وهذه المستويات لا تزال أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.

ويضيف ارتفاع أسعار الطاقة عنصرًا جديدًا إلى المعادلة؛ إذ يمكن أن تنتقل زيادة تكاليف النفط والوقود إلى النقل والصناعة والسلع الاستهلاكية، ما يجعل مهمة خفض التضخم أكثر صعوبة.

النفط.. السوق يعيش على أخبار هرمز

يظل النفط أحد أكبر مصادر عدم اليقين في الاقتصاد العالمي. فقد ارتفع خام برنت إلى 83.55 دولارًا للبرميل في ختام تعاملات الجمعة، في ظل استمرار المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز والمفاوضات المتعلقة بإعادة فتحه أمام الملاحة.

وتزداد أهمية المضيق لأن نحو خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا كانت تمر عبره قبل إغلاقه، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد قادرًا على التأثير في أسعار الطاقة والتأمين والشحن وتكاليف الإنتاج حول العالم.

وتشير تقديرات حديثة من سيتي إلى رفع متوسط توقعاتها لسعر برنت في الربع الثالث من 2026 إلى 80 دولارًا للبرميل بدلًا من 75 دولارًا سابقًا، نتيجة استمرار حالة عدم اليقين بشأن الصراع والمفاوضات. لكنها أبقت توقعها للربع الرابع عند 70 دولارًا ولعام 2027 عند 65 دولارًا، على افتراض تراجع التوترات لاحقًا.

خسائر الإمدادات تترك أثرًا طويلًا

التداعيات لا تتوقف عند السعر اليومي للنفط. فقد قال الرئيس التنفيذي لأرامكو إن السوق العالمية فقدت أكثر من 2.6 مليار برميل منذ اندلاع الحرب في فبراير، وهو ما يعادل قرابة شهر من الإنتاج العالمي المعتاد.

وبحسب تصريحاته، حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز فورًا، قد يحتاج السوق إلى 18 شهرًا لتعويض المخزونات المستنزفة بمعدل 2.1 مليون برميل يوميًا. وفي الوقت نفسه، ارتفع صافي أرباح أرامكو في الربع الثاني بنسبة 44% إلى 32.69 مليار دولار، مدفوعًا بارتفاع أسعار النفط والمنتجات وإعادة توجيه بعض الصادرات.

وهذا يوضح مفارقة مهمة: ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يدعم أرباح المنتجين، لكنه في الوقت نفسه يضغط على المستهلكين والصناعات المستوردة للطاقة.

الصين.. التضخم يتباطأ والطلب المحلي يثير القلق

في الصين، أظهرت بيانات يوليو تباطؤ تضخم أسعار المنتجين إلى 3.5% على أساس سنوي، مقابل 4.1% في يونيو، وهو أدنى مستوى خلال ثلاثة أشهر وأقل من توقعات المحللين البالغة 3.8%.

كما تباطأ تضخم أسعار المستهلكين، بينما انخفضت أسعار الغذاء بنسبة 1.5%، وتراجع مؤشر أسعار المستهلك الشهري 0.1%.

المشكلة الأساسية ليست فقط انخفاض التضخم، بل ضعف الطلب المحلي. فالاقتصاد الصيني يواجه ضغوطًا مرتبطة بسوق العقارات وضعف ثقة المستهلكين، في الوقت الذي تحاول فيه بكين دعم النشاط الاقتصادي من خلال زيادة الإنفاق المالي وتعزيز الاستهلاك.

وتشير التطورات إلى أن الصين تواجه معادلة مختلفة عن الولايات المتحدة: بينما تكافح واشنطن تضخمًا مرتفعًا، تواجه بكين خطر استمرار ضعف الأسعار والطلب في بعض القطاعات.

ألمانيا والصين.. تحول في ميزان التجارة

تظهر بيانات التجارة الألمانية تحولًا مهمًا في العلاقة الاقتصادية مع الصين.

فخلال النصف الأول من 2026، تراجعت الصادرات الألمانية إلى الصين بأكثر من 12% إلى أقل بقليل من 37 مليار يورو، بينما ارتفعت الواردات الألمانية من الصين بنسبة 8.9% إلى 91.8 مليار يورو.

ونتيجة لذلك اتسع العجز التجاري الألماني مع الصين إلى نحو 55 مليار يورو، مقارنة بنحو 40 مليارًا في الفترة نفسها من العام السابق.

ولا يعكس هذا الرقم مجرد تغير في التجارة، بل تحولًا أوسع في الاقتصاد العالمي؛ فالصين تعمل بصورة متزايدة على تعزيز سلاسل الإنتاج المحلية وتصدير المنتجات ذات القيمة المضافة، بينما تواجه الصناعات الأوروبية منافسة متزايدة من الشركات الصينية، خصوصًا في القطاعات الصناعية والسيارات والتكنولوجيا.

أوروبا أمام معادلة النمو الضعيف والطاقة المرتفعة

الاقتصاد الأوروبي يواجه تحديًا مزدوجًا: ارتفاع تكاليف الطاقة من جهة، وضعف النمو من جهة أخرى.

وتشير أحدث توقعات البنك المركزي الأوروبي إلى أن نمو منطقة اليورو في 2026 قد يبلغ 0.6% فقط، مقارنة بتوقع سابق عند 1%، بينما خُفضت توقعات نمو 2027 إلى 1.2%.

وفي المقابل، يُتوقع أن يبلغ متوسط التضخم في منطقة اليورو 2.7% خلال 2026، قبل أن يتراجع تدريجيًا نحو 2% في 2028.

وهذا يضع البنك المركزي الأوروبي أمام خيار صعب أيضًا: الاقتصاد يحتاج إلى دعم، لكن ارتفاع أسعار الطاقة قد يجعل تخفيف السياسة النقدية أكثر تعقيدًا.

التجارة العالمية.. التعريفات تعيد رسم سلاسل الإمداد

إلى جانب الطاقة، أصبحت الرسوم الجمركية أحد أهم مصادر عدم اليقين للاقتصاد العالمي.

وتواصل الولايات المتحدة استخدام أدوات تجارية جديدة لفرض رسوم على بعض الشركاء، مع توجه الإدارة الأمريكية إلى استخدام المادة 301 من قانون التجارة للتحقيق في ممارسات تجارية تعتبرها غير عادلة. وقد طالت إجراءات جديدة دولًا ومنتجات مختلفة، بينما تتزايد مخاوف الشركات من ارتفاع تكاليف الاستيراد واضطراب سلاسل الإمداد.

وتكمن المشكلة في أن الرسوم لا تؤثر فقط في الدولة المستهدفة؛ فقد تنتقل تكلفتها إلى الشركات والمستهلكين، أو تدفع الشركات إلى تغيير مواقع الإنتاج والموردين، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل شبكة التجارة العالمية.

الاقتصاد العالمي.. نمو موجود لكنه غير متوازن

رغم هذه الضغوط، لا يرى صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العالمي يتجه حاليًا إلى انهيار شامل.

ففي تحديث يوليو لتوقعاته، أبقى الصندوق تقدير النمو العالمي عند 3% في 2026 و3.4% في 2027، لكنه حذر من أن النمو أصبح غير متوازن بين الدول والمناطق.

ويرى الصندوق أن طفرة الاستثمار المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تساعد على تعويض جزء من آثار صدمة الحرب والطاقة، بينما تتعرض الدول المستوردة للطاقة والاقتصادات الأكثر هشاشة لضغوط أكبر.

لكن الصندوق رفع توقع التضخم العالمي في 2026 إلى 4.7%، مشيرًا إلى أن عملية خفض التضخم توقفت مقارنة بالاتجاه الذي كان قائمًا منذ بداية 2024.

الذكاء الاصطناعي.. نقطة القوة الجديدة

في الجانب الآخر من الصورة، يمثل الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر القوة للاقتصاد العالمي.

فالإنفاق الضخم على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الرقمية يدعم النشاط في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والطاقة، ويخلق طلبًا جديدًا على الكهرباء والمعدات والخدمات.

لكن هذه الطفرة تحمل مخاطرها أيضًا، إذ إن الاعتماد الكبير على قطاع التكنولوجيا يجعل بعض الاقتصادات والأسواق المالية أكثر حساسية لأي تصحيح حاد في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟

الصورة الحالية ليست صورة ركود عالمي واضح، وليست أيضًا صورة انتعاش مستقر.

بل يمكن وصفها بأنها اقتصاد عالمي قادر على النمو، لكنه أصبح أكثر حساسية للصدمات.

هناك خمس قوى رئيسية ستحدد المرحلة المقبلة:

  1. أسعار النفط والطاقة ومسار أزمة هرمز.
  2. قرارات البنوك المركزية وخاصة الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي.
  3. قوة الاقتصاد الصيني والطلب المحلي فيه.
  4. مستقبل الحرب التجارية والرسوم الجمركية.
  5. استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي والاستثمار التكنولوجي.

الخلاصة الاقتصادية

الاقتصاد العالمي يدخل النصف الثاني من 2026 وسط معادلة دقيقة: النمو لا يزال قائمًا، لكن التضخم والطاقة والتجارة والجغرافيا السياسية أصبحت عوامل مترابطة أكثر من أي وقت مضى.

فارتفاع النفط قد يعيد إشعال التضخم، والتضخم قد يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء الفائدة مرتفعة، والفائدة المرتفعة قد تضغط على النمو والاستثمار، بينما يمكن للرسوم الجمركية أن تزيد تكاليف التجارة والإنتاج.

وفي المقابل، قد يوفر الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي دفعة جديدة للنمو إذا استمرت الشركات في زيادة الإنفاق ورفع الإنتاجية.

لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: هل سينمو الاقتصاد العالمي؟ بل: هل يستطيع الحفاظ على النمو دون أن تعيد الطاقة والتضخم والتجارة إشعال موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية؟

فريق النخبة