محتويات المقال

دخل الشرق الأوسط مرحلة سياسية شديدة الحساسية، بعدما أصبح الصراع لا يدور فقط حول الجبهات البرية، بل امتد إلى الممرات البحرية والطاقة والتجارة الدولية.

وفي مقدمة هذه التطورات يأتي مضيق هرمز، حيث تتحدث واشنطن وطهران ومسقط عن ترتيبات لإعادة حركة الملاحة، بينما تؤكد إيران أن فتح المضيق مرتبط بتلبية شروطها. وفي الوقت نفسه، تصاعدت التوترات حول باب المندب والبحر الأحمر مع إعلان جماعة الحوثيين استهداف سفن مرتبطة بالسعودية وتهديد حركة الملاحة.

وبالتوازي، تستمر الحرب الروسية الأوكرانية، وتتزايد التوترات في شرق آسيا، بينما تواجه المفاوضات الخاصة بغزة ولبنان عقبات سياسية وأمنية جديدة.


أولًا: مضيق هرمز.. اتفاق يقترب أم أزمة جديدة؟

تطور المشهد حول هرمز بصورة لافتة خلال الساعات الأخيرة.

فقد أعلنت إيران أن المفاوضات مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة في المضيق أصبحت قريبة من التوصل إلى اتفاق، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الاتفاق مع مسقط وحده لن يكون كافيًا لإعادة فتح المضيق بصورة كاملة.

وتطالب طهران، بحسب التصريحات الإيرانية الأخيرة، بتغييرات واسعة في الموقف الأمريكي، تشمل إنهاء التهديدات والأعمال العسكرية، ورفع العقوبات والحصار، والإفراج عن أصول إيرانية، إضافة إلى تعويضات عن أضرار الحرب.

الأكثر أهمية أن الحرس الثوري الإيراني خرج بتصريح منفصل يؤكد أن إعادة فتح هرمز لا تعتمد على المفاوضات الإيرانية-العُمانية وحدها، وإنما على قبول الولايات المتحدة للشروط الإيرانية.

وهنا تظهر فجوة سياسية واضحة: واشنطن تتحدث عن اتفاق قريب لإعادة الملاحة، بينما طهران تؤكد أن فتح المضيق مرتبط بتسوية أوسع مع الولايات المتحدة.

وكان مسؤول أمريكي قد قال في 7 أغسطس إن واشنطن تتوقع اتفاقًا قريبًا بين إيران وعُمان يسمح باستعادة حركة الشحن التجاري، وإن الولايات المتحدة مستعدة لرفع الحصار عن الموانئ الإيرانية إذا تم تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.


ناقلة إماراتية تتعرض لهجوم

وفي تطور يزيد تعقيد المفاوضات، أعلنت الإمارات اليوم أن سفينة مرتبطة بشركة أدنوك تعرضت لهجوم بصاروخ أثناء عبورها مضيق هرمز.

ولم تعلن السلطات الإماراتية عن وقوع إصابات في الحادث، لكنها اتهمت إيران بالوقوف وراء الهجوم ووصفته بأنه عمل عدائي. كما أعلنت أدنوك أن 15 من سفنها تعرضت لهجمات بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة منذ بداية الحرب، مع مقتل أحد أفراد الطواقم وإصابة 20 آخرين.

وهذا التطور مهم سياسيًا؛ لأنه يأتي في الوقت الذي تحاول فيه عُمان التوسط لترتيبات جديدة للملاحة.

أي أن المسار الدبلوماسي يتحرك في اتجاه، بينما الأحداث الميدانية قد تدفعه في الاتجاه المعاكس.


لماذا هرمز بهذه الأهمية؟

قبل اندلاع الحرب الحالية، كان نحو خُمس النفط والغاز العالميين يمر عبر مضيق هرمز، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في الملاحة لا يمثل أزمة إقليمية فقط، بل يتحول بسرعة إلى أزمة عالمية في الطاقة والنقل والتضخم.

ولهذا فإن نجاح أي اتفاق لن يقاس بالتصريحات السياسية وحدها.

المؤشرات الحقيقية ستكون:

  • عودة ناقلات النفط بأعداد منتظمة.
  • انخفاض تكاليف التأمين على السفن.
  • استقرار أسعار الطاقة.
  • رفع القيود والحصار على الموانئ.
  • توقف الهجمات على السفن.
  • وجود ترتيبات واضحة للملاحة والتفتيش.

وهذه النقطة مهمة لأن اتفاقًا سياسيًا لا يؤدي إلى عودة الملاحة الفعلية لن يكون كافيًا لإنهاء الأزمة.


ثانيًا: باب المندب يدخل المعادلة

إذا كان هرمز يمثل البوابة البحرية للخليج، فإن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ولذلك أصبحت التطورات في المضيقين مترابطة بشكل متزايد.

خلال الأيام الأخيرة أعلنت جماعة الحوثيين مسؤوليتها عن هجمات ضد قوات يمنية مدعومة من السعودية، كما أعلنت استهداف سفن مرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر وباب المندب.

وتقول وكالة أسوشيتد برس إن التصعيد أدى إلى انخفاض عدد ناقلات النفط التي تمر عبر باب المندب، في وقت تحاول فيه شركات الشحن تجنب المخاطر المتزايدة.

وتزداد أهمية التطور لأن باب المندب كان أحد الطرق التي اعتمدت عليها صادرات الطاقة لتخفيف جزء من تأثير اضطراب هرمز.

بمعنى آخر:

اضطراب هرمز دفع بعض حركة الطاقة نحو طرق بديلة، لكن تصاعد المخاطر في باب المندب يهدد الآن أحد أهم هذه البدائل.

خريطة توضح موقع مضيقي هرمز وباب المندب والممرات البحرية في المنطقة


من هرمز إلى باب المندب.. معادلة بحرية خطيرة

المشكلة الاستراتيجية ليست في كل مضيق منفردًا، وإنما في احتمال اضطراب الممرين في الوقت نفسه.

فهرمز يربط الخليج بخليج عُمان والمحيط الهندي، بينما يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن، ومن ثم بالمحيط الهندي.

وبالتالي فإن استمرار التوتر في الاثنين يمكن أن يؤدي إلى:

الخليج → هرمز → المحيط الهندي → باب المندب → البحر الأحمر → قناة السويس

أي أن جزءًا كبيرًا من سلسلة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا يصبح معرضًا لمخاطر متتابعة.

وتحذر تحليلات حديثة من أن تعطّل الممرين معًا قد يضاعف تكاليف الشحن والتأمين ويزيد الضغط على أسواق الطاقة العالمية.


ثالثًا: اليمن.. التصعيد يهدد الهدنة

التطورات البحرية لا يمكن فصلها عن الوضع الداخلي في اليمن.

فخلال الأسبوع الحالي شهدت جبهات يمنية تصعيدًا كبيرًا، حيث قُتل عشرات من القوات التابعة للحكومة اليمنية وأصيب آخرون في هجمات حوثية، كما أعلنت السعودية إصابة 11 مدنيًا، بينهم طفل، جراء هجمات قرب الحدود اليمنية.

وهذا يثير مخاوف من عودة الحرب اليمنية إلى مستوى أعلى بعد فترة طويلة من انخفاض حدة القتال.

والأخطر أن التصعيد الداخلي يتزامن مع التصعيد البحري، مما يجعل الملف اليمني مرتبطًا مباشرة بالتوازن الإقليمي بين إيران والسعودية والولايات المتحدة.


رابعًا: غزة.. العقدة السياسية لم تُحل

في غزة، لا تزال المفاوضات تواجه عقبات كبيرة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد أن إسرائيل لن تنسحب من القطاع قبل نزع سلاح حماس بالكامل، وهو موقف يصطدم مع المقترحات الأمريكية التي تربط وقف القتال بإطلاق سراح الرهائن وبدء انسحاب إسرائيلي تدريجي.

وهذا يعني أن الخلاف لم يعد فقط حول وقف إطلاق النار، وإنما حول شكل اليوم التالي للحرب:

من يحكم غزة؟

ما مصير السلاح؟

ما حجم الانسحاب الإسرائيلي؟

ومن يتولى الأمن وإعادة الإعمار؟

ولهذا فإن أي اتفاق مؤقت قد يظل معرضًا للانهيار ما لم يتم التوصل إلى صيغة سياسية للقضايا الأساسية.


خامسًا: لبنان وملف حزب الله

وفي لبنان، تواجه الهدنة بين “إسرائيل” وحزب الله ضغوطًا جديدة.

فقد تصاعدت التوترات في الجنوب اللبناني، مع اتهامات إسرائيلية بخرق الهدنة، تلاها قصف إسرائيلي، بينما كانت مفاوضات في روما تبحث الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات نزع سلاح حزب الله.

وتكمن أهمية الملف اللبناني في أنه أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بالمسار الأكبر للحرب مع إيران.

فأي تصعيد في لبنان يمكن أن يعقد المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، بينما يمكن لأي اتفاق إقليمي أوسع أن يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة في لبنان.


سادسًا: السعودية وتركيا وباكستان.. تحالف دفاعي جديد

في تطور سياسي مهم، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك في مكة، ينص على اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع.

وتقول الدول الثلاث إن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، لكنه جاء في وقت تتزايد فيه المخاطر الأمنية المرتبطة بالحرب مع إيران.

وهذا التطور قد يكون أحد أهم المؤشرات السياسية على أن دول المنطقة بدأت تفكر في إعادة بناء ترتيبات أمنية إقليمية بدل الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية.

رئيس الوزراء الباكستاني وولي العهد السعودي والرئيس التركي بعد توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك

رئيس الوزراء الباكستاني وولي العهد السعودي والرئيس التركي


سابعًا: أوكرانيا.. الحرب تتوسع إلى العمق الروسي

في أوروبا، تستمر الحرب الروسية الأوكرانية في التصعيد.

وشنت أوكرانيا ضربات بطائرات مسيّرة على أهداف داخل الأراضي الروسية، من بينها مستودع تابع لشركة Wildberries في يكاترينبورغ، على بعد أكثر من 2000 كيلومتر من الحدود الأوكرانية. وردًا على ذلك، عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتماعًا لمجلس الأمن لبحث حماية البنية التحتية.

وفي المقابل، استمرت الهجمات الروسية على أوكرانيا، حيث قُتل أشخاص بينهم طفل في ضربات على مناطق قرب كييف.

وفي الوقت نفسه، زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي صربيا في محاولة لتعزيز العلاقات مع بلغراد، التي تحافظ تقليديًا على علاقات وثيقة مع موسكو، بينما أكد الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش موقف بلاده المحايد.


ثامنًا: الصين وتايوان.. توتر جديد في المضيق

وفي شرق آسيا، دخلت الصين وتايوان في خلاف جديد حول الملاحة في مضيق تايوان.

الصين أصدرت توجيهات للسفن بشأن حركة الملاحة بسبب اقتراب إعصار دولفين، بينما رفضت تايوان هذه الإجراءات ووصفتها بأنها تدخل غير مقبول في حرية الملاحة.

وأعلنت تايبيه أن خفر السواحل لم يرصد نشاطًا صينيًا غير اعتيادي، لكنها أكدت أن السفن يجب أن تحافظ على حرية الملاحة وتتجاهل أي توجيهات صينية غير معترف بها.

وقد يبدو الحدث مرتبطًا بالطقس، لكنه يحمل بعدًا سياسيًا أكبر بسبب الخلاف المستمر حول السيادة والممرات البحرية.


الصورة الكبرى

عند جمع هذه التطورات معًا، تظهر صورة واحدة:

الممرات البحرية أصبحت إحدى أهم ساحات الصراع السياسي العالمي.

هرمز يتأثر بالصراع الأمريكي-الإيراني.

باب المندب يتأثر بالصراع اليمني والتنافس الإقليمي.

مضيق تايوان يتأثر بالتنافس الصيني-الأمريكي.

والبحر الأسود يتأثر بالحرب الروسية الأوكرانية.

وهكذا لم تعد الجغرافيا البحرية مجرد عامل اقتصادي، بل تحولت إلى أداة سياسية واستراتيجية يمكن أن تؤثر في الطاقة، والتجارة، والتحالفات، وحتى في قرارات الحرب والسلام.

مآلات المشهد الإقليمي

التطور الأخطر اليوم ليس مجرد حادثة منفردة في هرمز أو باب المندب، وإنما تزامن عدة أزمات في مناطق استراتيجية مختلفة.

وفي هرمز تحديدًا، توجد نافذة دبلوماسية حقيقية عبر الوساطة العُمانية، لكن تصريحات إيران والولايات المتحدة لا تزال متباعدة حول شروط إعادة فتح المضيق. أما باب المندب، فيتحول تدريجيًا إلى جبهة ضغط إضافية على التجارة والطاقة، بينما تستمر أزمات غزة ولبنان واليمن وأوكرانيا وتايوان في إعادة تشكيل موازين القوى.

الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة: إما أن تتحول المفاوضات حول هرمز إلى اتفاق قابل للتنفيذ وتبدأ معه عملية تهدئة إقليمية أوسع، أو أن يؤدي استمرار الهجمات البحرية إلى فتح مرحلة جديدة من التصعيد الاقتصادي والعسكري.


لكن أهمية هذه التطورات لا تتوقف عند حدود حركة السفن أو أسعار النفط، إذ إن ما يجري حول مضيق هرمز وباب المندب يكشف عن إعادة تشكيل أوسع لموازين القوى في المنطقة. فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق تجارية، بل أصبحت أوراق ضغط سياسية وأمنية تستخدمها الأطراف المختلفة في صراعها على النفوذ وشروط التسوية.

هرمز.. أكثر من مجرد ممر ملاحي

تكمن أهمية مضيق هرمز في كونه نقطة اختناق استراتيجية للطاقة العالمية. فقبل الأزمة، كان يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل في حركة الملاحة لا يبقى محصورًا في الخليج، بل ينتقل سريعًا إلى أسواق الطاقة والنقل والتأمين والتضخم في مختلف أنحاء العالم.

ومن هنا أصبحت أزمة هرمز تحمل ثلاثة أبعاد متداخلة: عسكريًا، من يملك القدرة على حماية الممر أو تعطيله؟ وسياسيًا، من يملك حق وضع شروط إعادة فتحه؟ واقتصاديًا، من يتحمل تكلفة استمرار الأزمة؟

وهذه الأبعاد هي التي تجعل المفاوضات الحالية أكثر تعقيدًا من مجرد اتفاق يسمح للسفن بالعبور.

إيران تحاول تحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوض

الموقف الإيراني الأخير يشير إلى أن طهران لا تنظر إلى إعادة فتح المضيق باعتبارها قضية منفصلة عن الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة.

فطهران تريد ربط ترتيبات الملاحة بتسوية أوسع تشمل العقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية، وهو ما يعني أن الموقع الجغرافي لإيران أصبح جزءًا من أدواتها التفاوضية.

وبذلك تحاول طهران الانتقال من معادلة:

فتح المضيق مقابل عودة الملاحة

إلى معادلة أكثر اتساعًا:

إعادة الملاحة مقابل ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية شاملة.

وهنا تحديدًا تكمن صعوبة التوصل إلى اتفاق نهائي.

واشنطن أمام معادلة مختلفة

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الهدف لا يقتصر على عودة السفن إلى الحركة، وإنما يرتبط أيضًا بمنع ظهور نظام دائم يسمح لإيران بفرض قواعد جديدة على الملاحة الدولية.

فأي اتفاق يمنح طهران قدرة مستمرة على التحكم في السفن أو فرض قيود عليها قد يتحول إلى سابقة استراتيجية يصعب التراجع عنها لاحقًا.

ولهذا فإن واشنطن تريد عودة الملاحة، لكنها تريد في الوقت نفسه أن تكون قواعد المرور واضحة وقابلة للتنفيذ، وألا تتحول الأزمة الحالية إلى اعتراف دائم بنفوذ إيراني أكبر على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

عُمان.. الوسيط الموجود في قلب المعادلة

وسط هذه الحسابات، برز الدور العُماني بصورة أكبر.

فمسقط تمتلك علاقات مع إيران والولايات المتحدة في آن واحد، كما أن موقعها الجغرافي يجعلها طرفًا مباشرًا في أي ترتيبات تخص مضيق هرمز.

ولهذا فإن نجاح الوساطة العُمانية قد لا يؤدي فقط إلى إنهاء أزمة الملاحة، بل يمكن أن يمنح سلطنة عُمان دورًا أكبر في صياغة الترتيبات الأمنية والسياسية الجديدة في الخليج.

لكن المهمة ليست سهلة؛ فالمفاوضات قد تتوصل إلى صيغة سياسية، بينما تبقى المشكلة الحقيقية في كيفية تطبيقها على أرض الواقع.

وهنا يظهر السؤال الأهم:

هل يكفي الإعلان عن فتح المضيق، أم أن شركات النقل ستحتاج إلى ضمانات أمنية قبل أن تعود بكامل طاقتها؟

باب المندب.. الوجه الآخر للأزمة

إذا كان هرمز يمثل نقطة الاختناق الرئيسية أمام صادرات الطاقة من الخليج، فإن باب المندب يمثل بوابة استراتيجية لحركة التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.

وهذا يجعل التطورات في الممرين مترابطة بصورة متزايدة.

فاضطراب هرمز يدفع بعض الأطراف إلى البحث عن طرق بديلة، بينما يؤدي استمرار المخاطر في باب المندب إلى تقليص فاعلية هذه البدائل.

وبذلك تظهر معادلة أكثر خطورة:

اضطراب هرمز يرفع تكلفة الطاقة، واضطراب باب المندب يرفع تكلفة التجارة.

وعندما يجتمع الاثنان، فإن التأثير لا يعود إقليميًا فقط.

اليمن يدخل مجددًا في قلب المعادلة

ولا يمكن فهم الوضع في باب المندب بعيدًا عن التطورات داخل اليمن.

فأي تصعيد عسكري جديد على الساحة اليمنية ينعكس بصورة مباشرة على أمن البحر الأحمر، خصوصًا أن الشركات البحرية تنظر إلى مستوى المخاطر قبل اتخاذ قرارها بشأن استخدام الطريق.

ولهذا فإن استمرار التوتر في اليمن يمكن أن يؤدي إلى زيادة الاعتماد على طرق بحرية أطول وأكثر تكلفة، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار النقل والتأمين والسلع.

وهنا تتحول الأزمة اليمنية من ملف داخلي وإقليمي إلى عامل مؤثر في الاقتصاد العالمي.

السعودية أمام خيارات أكثر تعقيدًا

وتجد السعودية نفسها في موقع حساس داخل هذه المعادلة.

فالمملكة من كبار منتجي الطاقة، وبالتالي فإن استقرار طرق التصدير يمثل قضية اقتصادية وأمنية في الوقت نفسه.

لكن الأزمة الحالية أظهرت أيضًا أن الاعتماد على ممر بحري واحد يحمل مخاطر كبيرة، ولذلك تزداد أهمية خطوط الأنابيب والموانئ والطرق البديلة.

غير أن البدائل ليست متساوية في القدرة والاستيعاب، كما أن بعضها يقود في النهاية إلى مناطق بحرية أخرى تواجه مخاطر أمنية، وعلى رأسها البحر الأحمر وباب المندب.

ومن هنا يمكن فهم توجه الرياض نحو تنويع خياراتها الأمنية والسياسية والاقتصادية بدل الاعتماد على مسار واحد.

تحالفات جديدة تتشكل

وفي ظل هذه البيئة المضطربة، ظهرت ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، كان من أبرزها الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان.

أهمية هذا الاتفاق لا تكمن فقط في نصوصه، وإنما في الدول الثلاث التي تقف خلفه.

السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع الجغرافي.

تركيا تمتلك قوة عسكرية كبيرة وصناعة دفاعية متنامية وموقعًا استراتيجيًا بين آسيا وأوروبا.

أما باكستان فتملك قدرات عسكرية كبيرة وثقلًا استراتيجيًا في جنوب آسيا.

واجتماع هذه العناصر الثلاثة يفتح الباب أمام مركز ثقل أمني جديد في المنطقة، في وقت تعاد فيه صياغة العلاقات والتحالفات.

ماذا يعني ذلك لإيران؟

بالنسبة إلى طهران، فإن ظهور ترتيبات دفاعية إقليمية جديدة يمثل تطورًا لا يمكن تجاهله.

فإذا انتهت الأزمة الحالية باتفاق حول هرمز، ثم تزامن ذلك مع ظهور تحالفات أمنية جديدة، فإن البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران ستكون مختلفة عن المرحلة التي سبقت الحرب.

وهذا يضع القيادة الإيرانية أمام خيارين متناقضين:

إما محاولة استثمار الاتفاقات الجديدة لإعادة بناء علاقاتها الإقليمية، أو اعتبارها تهديدًا ومحاولة مواجهتها عبر تعزيز نفوذها وأدوات الردع.

والخيار الذي ستتجه إليه طهران سيكون من أهم العوامل التي ستحدد شكل المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل هرمز

في ظل هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول: تسوية شاملة

تتوصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق أوسع، يؤدي إلى تخفيف القيود وعودة الملاحة تدريجيًا، مع وجود ترتيبات واضحة تمنع تكرار الأزمة.

وسيكون هذا السيناريو الأكثر إيجابية بالنسبة لأسواق الطاقة والتجارة العالمية.

السيناريو الثاني: اتفاق مؤقت

قد يتم التوصل إلى ترتيبات محدودة تسمح باستئناف جزء من حركة الملاحة، بينما تستمر المفاوضات بشأن القضايا الأكبر.

وهذا السيناريو قد يكون الأكثر واقعية إذا بقيت الخلافات السياسية العميقة دون حل.

السيناريو الثالث: انهيار المفاوضات

أما السيناريو الأخطر فهو انهيار المسار الدبلوماسي واستمرار القيود والهجمات والمخاطر البحرية.

وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول أزمة هرمز من أداة تفاوض مؤقتة إلى أزمة اقتصادية وأمنية طويلة الأمد.

النفط ليس المشكلة الوحيدة

وغالبًا ما يكون النفط أول ما يلفت الانتباه عند الحديث عن هرمز، لكن التأثير الحقيقي أوسع بكثير.

فارتفاع المخاطر البحرية يعني ارتفاع تكلفة التأمين، ثم ارتفاع تكاليف النقل، ثم زيادة تكلفة السلع، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم والضغط على السياسات النقدية.

وبالتالي يمكن أن تنتقل الأزمة من:

المضيق → ناقلات النفط → أسواق الطاقة → النقل والتأمين → الأسعار → الاقتصاد العالمي.

وهذا هو السبب الذي يجعل الحكومات والأسواق تراقب تطورات هرمز وباب المندب بهذه الدرجة من الحساسية.

المعركة الحقيقية تبدأ بعد فتح المضيق

حتى إذا تم الإعلان عن اتفاق لإعادة فتح هرمز، فلن تنتهي الأزمة بالضرورة.

ستظهر مجموعة جديدة من الأسئلة:

من يراقب حركة السفن؟

ما قواعد التفتيش؟

من يضمن سلامة الناقلات؟

ماذا يحدث إذا تعرضت سفينة لهجوم؟

هل ستعود شركات الشحن فورًا أم ستنتظر فترة طويلة قبل استعادة عملياتها؟

هذه التفاصيل قد تبدو فنية، لكنها في الحقيقة تحمل أبعادًا سيادية وسياسية كبيرة.

ولهذا فإن فتح المضيق قانونيًا شيء، وعودة الملاحة الطبيعية إليه شيء آخر.

من هرمز وباب المندب إلى صراع أكبر

عند النظر إلى المشهد كاملًا، يصبح واضحًا أن ما يجري لا يتعلق بمضيقين فقط.

هرمز يرتبط بالصراع الأمريكي-الإيراني.

باب المندب يرتبط بالأزمة اليمنية والتنافس الإقليمي.

مضيق تايوان يرتبط بالتنافس الصيني-الأمريكي.

والبحر الأسود يرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية.

وهكذا أصبحت الممرات البحرية جزءًا أساسيًا من الصراع على النفوذ والنظام الدولي.

فالدولة التي تستطيع حماية طرق التجارة والطاقة تملك نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، بينما تستطيع الدولة التي تمتلك القدرة على تهديد هذه الطرق استخدام الجغرافيا البحرية كأداة ضغط في المفاوضات.

مآلات المشهد الإقليمي

من هنا يمكن فهم السبب الحقيقي وراء الاهتمام الدولي المتزايد بمضيق هرمز وباب المندب.

المسألة لم تعد فقط: هل ستعود السفن إلى المرور؟

بل أصبحت:

من سيحدد قواعد الملاحة، ومن سيمتلك النفوذ على أهم الممرات البحرية في المنطقة بعد انتهاء الأزمة؟

فإذا نجحت المفاوضات الحالية، فقد تدخل المنطقة مرحلة من التهدئة وإعادة ترتيب العلاقات.

أما إذا فشلت، فإن استمرار الضغط على هرمز بالتزامن مع المخاطر في باب المندب قد يؤدي إلى أزمة أطول وأكثر تكلفة، تمتد آثارها من أسواق الطاقة إلى التجارة العالمية والتحالفات السياسية.

والأهم أن المرحلة الحالية تشير إلى أن الشرق الأوسط لن يعود بالضرورة إلى التوازنات التي كانت قائمة قبل الأزمة؛ فالمفاوضات، والتحالفات الجديدة، وأمن الممرات البحرية، كلها عوامل تعمل في الوقت نفسه على تشكيل نظام إقليمي مختلف قد تستمر آثاره لسنوات قادمة.

فريق النخبة