محتويات المقال

حرام بن ملحان رضي الله عنه: شهيد بئر معونة الذي قال: «فزتُ وربِّ الكعبة»

يُعدّ الصحابي الجليل حرام بن ملحان الأنصاري رضي الله عنه من أعظم نماذج الثبات والإيمان في تاريخ الإسلام، فقد جسّد بمعاملته ويقينه معنى الرضا بقضاء الله، والتضحية في سبيل الدعوة، حتى أصبحت كلمته الخالدة: «فزتُ وربِّ الكعبة» رمزًا للصبر واليقين والشجاعة. وقد كان استشهاده في حادثة بئر معونة من المواقف المؤثرة في السيرة النبوية، لما حملته من دروس عظيمة في الإخلاص والثبات.


نسبه ومكانته

حرام بن ملحان بن خالد الأنصاري رضي الله عنه من بني النجار من قبيلة الخزرج، وهو خال الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه. وكان من خيار الصحابة، ومن حفظة القرآن الكريم، واشتهر بالعبادة والورع وحسن الخلق، حتى اختاره رسول الله ﷺ ضمن نخبة من القرّاء والدعاة لإبلاغ رسالة الإسلام وتعليم الناس القرآن وأحكام الدين.


حادثة بئر معونة

في السنة الرابعة للهجرة، قدم أبو براء عامر بن مالك إلى النبي ﷺ، وطلب منه أن يبعث عددًا من أصحابه إلى قبائل نجد لدعوتهم إلى الإسلام وتعليمهم القرآن.

فأرسل النبي ﷺ نحو سبعين رجلًا من خيرة أصحابه، وكانوا من القرّاء والعبّاد، وعُرفوا في كتب السيرة باسم قراء بئر معونة.

ولما وصلوا إلى بئر معونة، أرسلوا حرام بن ملحان رضي الله عنه يحمل رسالة رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، لكن الأخير رفض الرسالة، وخالف أعراف العرب في حماية الرسل، وأمر أحد رجاله أن يغدر بحرّام رضي الله عنه.


«فزتُ وربِّ الكعبة»

طُعن حرام بن ملحان رضي الله عنه من خلفه بحربة، فسال دمه، فأخذ منه بيده، ومسح به وجهه ورأسه، ثم قال بثبات ويقين:

«فزتُ وربِّ الكعبة»

لم يرَ في الموت هزيمة، بل رأى فيه الفوز برضوان الله وجنته، إذ كان قلبه موقنًا بوعد الله للشهداء، فلم يجزع ولم يخف، وإنما استقبل الشهادة بالرضا والطمأنينة.


أثر ثباته في قاتله

كان الذي طعن حرام رضي الله عنه رجلًا يُدعى جبار بن سلمى، وقد أصابه الذهول عندما رأى الرجل الذي قتله يستقبل موته بالفرح ويعلن فوزه.

فسأل بعد ذلك عن معنى قوله: «فزتُ وربِّ الكعبة»، فأُخبر أن المسلمين يرون الشهادة فوزًا عظيمًا لأنها طريق إلى الجنة ورضوان الله.

فتأثر بهذا الموقف تأثرًا بالغًا، وشرح الله صدره للإسلام، فأسلم بعد ذلك، ليكون ثبات حرام رضي الله عنه سببًا في هداية قاتله.


الدروس والعبر

تُظهر هذه الحادثة عظمة اليقين الذي ربّى النبي ﷺ عليه أصحابه، فقد كانوا يرون لقاء الله أعظم أمنياتهم، ويوقنون أن التضحية في سبيل الحق ليست خسارة، بل فوز حقيقي.

كما تؤكد أن الثبات عند الشدائد من أعظم أسباب النصر، وأن القدوة الصادقة قد تغيّر القلوب، فربّ موقف صادق يكون سببًا في هداية إنسان، كما حدث مع قاتل حرام رضي الله عنه.

وتبرز القصة كذلك مكانة الصحابة رضي الله عنهم، الذين حملوا رسالة الإسلام بإخلاص، وبذلوا أرواحهم في سبيل نشرها، فاستحقوا أن يكونوا خير القرون وأفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ.


يبقى الصحابي الجليل حرام بن ملحان رضي الله عنه مثالًا خالدًا في الثبات واليقين، فقد واجه الموت بقلب مطمئن ولسانٍ راضٍ، وقال كلمته التي خلدها التاريخ: «فزتُ وربِّ الكعبة». لقد علّم الأمة أن الفوز الحقيقي ليس بطول العمر، وإنما بحسن الخاتمة، وأن الإيمان الصادق يمنح صاحبه قوةً لا تهزمها الشدائد، ويجعل من موقف واحد سببًا في هداية القلوب وبقاء الأثر عبر الأجيال.