محتويات المقال

يشهد النظام الدولي في 31 أغسطس 2026 مرحلة شديدة الحساسية، تتزامن فيها أزمات الشرق الأوسط مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتحركات جديدة في آسيا وأفريقيا.

والأهم أن الأحداث الأخيرة لا تبدو مجرد أزمات منفصلة؛ بل تكشف عن إعادة توزيع تدريجية لأوراق القوة والنفوذ بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا والقوى الإقليمية، مع اتساع مساحة المناورة أمام دول مثل الهند ودول الخليج وبعض القوى الصاعدة في آسيا وأفريقيا.

الولايات المتحدة وإيران.. عودة التصعيد إلى قلب المعادلة

شهدت الساعات الأخيرة تصعيدًا مباشرًا بين الولايات المتحدة وإيران، بعد ضربات أمريكية استهدفت مواقع إيرانية، ورد إيراني طال أهدافًا أمريكية في الأردن، وسط تهديدات بمزيد من التصعيد. وفي الوقت نفسه، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن طهران لا تزال تسعى إلى حل تفاوضي، رغم عودة المواجهات.

وتتجاوز أهمية هذا التطور حدود المواجهة الأمريكية الإيرانية؛ فالشرق الأوسط يمثل عقدة استراتيجية للطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية والتحالفات الدولية.

وإذا استمر التصعيد، فإن تأثيره يمكن أن يمتد إلى أسعار الطاقة، وحركة الملاحة، وأمن الخليج، وحسابات القوى الكبرى في المنطقة.

وهنا تظهر إحدى أهم قواعد الجيوسياسة: عندما تتغير موازين القوة في منطقة استراتيجية، فإن آثارها لا تبقى محلية.

الصين وروسيا والهند.. اجتماع يعكس عالمًا متعدد المراكز

في آسيا الوسطى، يجتمع قادة الصين وروسيا والهند ودول أخرى في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قيرغيزستان، في اجتماع يحمل أهمية خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد.

وتحاول الصين وروسيا استخدام المنظمة لتعزيز رؤية لعالم متعدد الأقطاب، بينما تمنح مشاركة الهند الاجتماع أهمية أكبر؛ فنيودلهي لا تريد الانضمام بصورة كاملة إلى محور صيني أو غربي، وإنما تحافظ على هامش واسع للمناورة بين القوى الكبرى.

وهذا هو أحد أبرز التحولات في النظام الدولي الحالي:

القوى الكبرى تتنافس، والقوى المتوسطة تستغل المنافسة لزيادة هامشها الاستراتيجي.

الصين.. الصعود لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها

تواصل بكين بناء نفوذها عبر الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والبنية التحتية، إلى جانب تطوير قدراتها العسكرية.

لكن الأهم أن الصين أصبحت قادرة على تحويل قوتها الاقتصادية إلى أدوات نفوذ سياسي، خصوصًا في آسيا والجنوب العالمي.

ويظهر ذلك في توسع العلاقات الصينية مع دول لا تريد الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، وفي محاولات بكين تقديم نفسها كطرف قادر على المساهمة في بناء نظام دولي أكثر تعددًا.

لكن صعود الصين لا يعني أن واشنطن فقدت موقعها؛ بل يعني أن المنافسة أصبحت أكثر توازنًا في عدد من المجالات.

روسيا.. قوة عسكرية تبحث عن مساحة استراتيجية

تواجه روسيا ضغوطًا كبيرة بسبب الحرب في أوكرانيا، لكن ذلك لم ينهِ قدرتها على التأثير.

ففي أوكرانيا، دخلت الهجمات الروسية على كييف يومها الخامس على التوالي، بينما أعلنت كييف أن روسيا أطلقت نحو 1500 طائرة مسيرة خلال أربعة أيام. وفي المقابل، تستهدف أوكرانيا منشآت وبنية لوجستية واقتصادية داخل روسيا.

لكن الملف الأهم بالنسبة لموسكو هو قدرتها على الحفاظ على موقعها كقوة كبرى رغم الاستنزاف.

وتشير التطورات الأخيرة إلى اعتماد روسي متزايد على الصين اقتصاديًا واستراتيجيًا، وهو ما يجعل العلاقة بين موسكو وبكين أحد أهم المتغيرات في ميزان القوى الأوراسي.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: روسيا لا تزال قوة كبرى، لكنها أصبحت أكثر احتياجًا إلى الصين، بينما تملك بكين مساحة أكبر في تحديد شكل العلاقة.

أوروبا.. القوة الاقتصادية تتحول إلى قوة استراتيجية

الحرب الأوكرانية دفعت أوروبا إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن.

فالناتو أعلن مؤخرًا أن الحلف لا يرى خطرًا وشيكًا لهجوم روسي مباشر على إحدى دوله، لكنه أكد استمرار ارتفاع النشاط الروسي الهجين وتصاعد الهجمات على أوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، تواصل أوروبا زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز قدراتها.

لكن السؤال الأكبر هو:

هل تستطيع أوروبا تحويل قوتها الاقتصادية إلى قوة استراتيجية مستقلة؟

الناتو أشار إلى زيادة قدرها 139 مليار دولار في الإنفاق الدفاعي من جانب الحلفاء الأوروبيين وكندا خلال 2025، في إطار التحول نحو تقاسم أكبر للأعباء الدفاعية.

وهذا قد يؤدي على المدى الطويل إلى أوروبا أكثر قدرة على اتخاذ قرارات أمنية مستقلة، حتى مع استمرار اعتمادها على التحالف مع الولايات المتحدة.

الشرق الأوسط.. النفوذ يتحرك مع القوة العسكرية والاقتصادية

التصعيد الأمريكي الإيراني أعاد المنطقة إلى مركز المنافسة الدولية.

لكن النفوذ في الشرق الأوسط لا يعتمد على الجيوش فقط؛ فالطاقة والموانئ والاستثمارات والموقع الجغرافي والعلاقات الدبلوماسية أصبحت أدوات قوة متزايدة الأهمية.

كما أن دول الخليج تسعى إلى الحفاظ على علاقات متعددة مع واشنطن وبكين وموسكو، بدل الاعتماد على طرف دولي واحد.

وهذا يعكس تحولًا مهمًا:

الدول الإقليمية أصبحت أكثر قدرة على المناورة بين القوى الكبرى بدل انتظار اختيار أحد المعسكرين.

غزة.. أزمة محلية بتأثير دولي

لا تزال غزة جزءًا أساسيًا من معادلة الشرق الأوسط.

وفي 31 أغسطس، أفادت رويترز بمقتل خمسة فلسطينيين في ضربات إسرائيلية، في وقت لا تزال فيه ترتيبات وقف إطلاق النار وخطة التسوية الأوسع تواجه عقبات سياسية وأمنية.

وتتجاوز أهمية غزة حدودها الجغرافية، لأنها تؤثر في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، والتوازنات العربية، والمفاوضات الإقليمية، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.

ولهذا فإن أي تحول كبير في غزة يمكن أن يغير حسابات عدة أطراف في المنطقة.

أفريقيا.. روسيا توسع نفوذها بتكلفة منخفضة

في منطقة الساحل، برز تطور مهم في النيجر بعد تدخل Africa Corps الروسي لمساعدة السلطات في احتواء تمرد عسكري داخل البلاد.

وترى تحليلات نقلتها أسوشيتد برس أن موسكو عززت موقعها كداعم للأنظمة العسكرية في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، مستفيدة من الفراغ الذي تركه تراجع العلاقات الغربية في بعض دول الساحل.

وهذا نموذج مختلف للقوة.

فروسيا لا تحتاج بالضرورة إلى نشر قوات ضخمة حول العالم حتى تزيد نفوذها؛ يمكنها تحقيق ذلك عبر شراكات أمنية محدودة، وصفقات اقتصادية، وعلاقات سياسية مباشرة مع حكومات تحتاج إلى الدعم.

لكن هذه السياسة تحمل مخاطر أيضًا، إذ لم تؤدِ الشراكات الأمنية الروسية وحدها إلى حل المشكلات الأمنية المتفاقمة في منطقة الساحل.

المحيط الهادئ.. صراع الكبار يصل إلى الدول الصغيرة

في المقابل، تظهر المنافسة الأمريكية الصينية بصورة واضحة في جزر المحيط الهادئ.

وتستضيف بالاو قمة منتدى جزر المحيط الهادئ، بينما تخشى الدول الصغيرة من أن تتحول القمة إلى ساحة جديدة للتنافس بين الولايات المتحدة والصين.

وتكمن أهمية هذه الدول في مواقعها الجغرافية ومناطقها الاقتصادية البحرية ومواردها، رغم صغر حجمها السكاني.

وهذا يؤكد أن الجغرافيا لا تزال مصدرًا للقوة؛ فالدولة الصغيرة قد تصبح مهمة جدًا إذا كانت تقع في موقع استراتيجي.

النفوذ العالمي لم يعد يعني السيطرة

أحد أهم التغيرات في السياسة الدولية هو أن النفوذ لم يعد يعني بالضرورة السيطرة المباشرة.

يمكن لدولة أن تؤثر عبر:

الاقتصاد والتجارة.

التكنولوجيا.

التحالفات العسكرية.

الطاقة.

القواعد والممرات البحرية.

الدبلوماسية.

المساعدات والاستثمارات.

القدرة على التأثير في المؤسسات الدولية.

ولهذا قد تكون دولة ما أضعف عسكريًا من قوة كبرى، لكنها تمتلك ورقة اقتصادية أو جغرافية تمنحها نفوذًا أكبر مما يوحي به حجمها.

من يملك أوراق القوة الأكبر؟

إذا جمعنا التطورات الحالية، يمكن قراءة المشهد بهذه الصورة:

الولايات المتحدة

ما تزال تمتلك شبكة تحالفات وقدرات عسكرية واقتصادية عالمية واسعة، لكن تعدد الأزمات يفرض عليها توزيع مواردها بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

الصين

تواصل توسيع قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية، وتزداد قدرتها على التأثير في دول الجنوب العالمي.

روسيا

تحتفظ بثقل عسكري وجيوسياسي كبير، لكنها تواجه تكلفة الحرب الأوكرانية وتعتمد بصورة أكبر على علاقاتها مع الصين.

أوروبا

تمتلك ثقلًا اقتصاديًا ضخمًا وتسعى إلى تحويله إلى قدرة دفاعية واستراتيجية أكبر.

الهند

تزداد أهميتها باعتبارها قوة مستقلة نسبيًا، وتحافظ على علاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والصين في الوقت نفسه، مع سعيها لتوسيع نفوذها.

القوى الإقليمية

خصوصًا في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، أصبحت أكثر قدرة على استغلال التنافس بين القوى الكبرى للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية.

المحصلة الاستراتيجية

الصورة الحالية لا تشير إلى انتقال العالم ببساطة من هيمنة قوة واحدة إلى هيمنة قوة أخرى.

الأقرب هو نشوء نظام دولي متعدد مراكز القوة؛ الولايات المتحدة تحافظ على ثقلها، والصين توسع نفوذها، وروسيا تتمسك بموقعها العسكري، وأوروبا تعيد بناء قوتها الدفاعية، بينما تتوسع قدرة الهند والقوى الإقليمية على المناورة.

والتطورات الأخيرة في إيران وأوكرانيا وآسيا الوسطى وأفريقيا والمحيط الهادئ تكشف أن الصراع على النفوذ أصبح أوسع من الجيوش والحروب.

فمن يملك الطاقة يمتلك ورقة، ومن يملك التكنولوجيا يمتلك ورقة، ومن يملك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يمتلك ورقة، ومن يملك شبكة تحالفات واسعة يمتلك ورقة أخرى.

ولهذا فإن السؤال الأهم في السنوات القادمة لن يكون فقط: من الأقوى عسكريًا؟

بل:

من يستطيع تحويل مختلف عناصر قوته إلى نفوذ سياسي مستدام؟

وهنا ستتحدد ملامح النظام الدولي الجديد.


فريق النخبة